الآلوسي
394
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )
فالظلال في أول النهار تبتدئ من الشرق واقعة على الربع الغربي من الأرض وعند الزوال تبتدئ من الغرب واقعة على الربع الشرقي منها . والثاني يمين البلد وشماله ، وذلك أن البلدة التي يكون عرضها أقل من مقدار الميل الكلي وهو « كجل يز أو كحله » « 1 » على اختلاف الأرصاد فإن في الصيف تحصل الشمس على يمين تلك البلدة وحينئذ تقع الأظلال على يسارها وفي الشتاء بالعكس ، ولا يخفى ما في الثاني فإنه مختص بقطر مخصوص والكلام ظاهر في العموم ، وقيل : المراد باليمين والشمال يمين مستقبل الجنوب وشماله ، و عَنِ كما قال الحوفي متعلقة ب يَتَفَيَّؤُا وقال أبو البقاء : متعلقة بمحذوف وقع حالا ، وقيل : هي اسم بمعنى جانب فتكون في موضع نصب على الظرفية . ولهم في توحيد الْيَمِينِ وجمع الشَّمائِلِ - وهو جمع غير قياسي - كلام طويل . فقيل : إن العرب إذا ذكرت صيغتي جمع عبرت عن إحداهما بلفظ المفرد كقوله تعالى : جَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ [ الأنعام : 1 ] و خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ [ البقرة : 7 ] وقيل : إذا فسرنا اليمين بالمشرق كان النقطة التي هي مشرق الشمس واحدة بعينها فكانت اليمين واحدة ، وأما الشمائل فهي عبارة عن الانحرافات الواقعة في تلك الأظلال بعد وقوعها على الأرض وهي كثيرة فلذلك عبر عنها بصيغة الجمع ، وقيل : اليمين مفرد لفظا لكنه جمع معنى فيطابق الشمائل من حيث المعنى ، وقال الفراء : إنه يحتمل أن يكون مفردا وجمعا فإن كان مفردا ذهب إلى واحد من ذوات الظلال وإن كان جمعا ذهب إلى كلها لأن ما خلق اللّه لفظه واحد ومعناه الجمع ، وقال الكرماني : يحتمل أن يراد بالشمائل الشمال والقدام والخلف لأن الظل يفيء من الجهات كلها فبدأ باليمين لأن ابتداء التفيؤ منها أو تيمنا بذكرها ، ثم جمع الباقي على لفظ الشمال لما بين الشمال واليمين من التضاد ، ونزل الخلف والقدام منزلة الشمال لما بينهما وبين اليمين من الخلاف ، وهو قريب من الأول ، وتعقب بأن فيه جمع اللفظ باعتبار حقيقته ومجازه وفي صحته مقال ، وقيل : المراد باليمين يمين الواقف مستقبل المشرق ويسمى الجنوب وبالشمال شماله فكأنه قيل : يتفيّأ ظلاله عن الجنوب إلى الشمال إلى الجنوب ولما كان غالب المعمورة شمالي وظلالها كذلك جمع الشمال ولم يجمع اليمين ، وهو كما ترى ، ونقل أبو حيان عن أستاذه أبي الحسن علي بن الصائغ أنه أفرد وجمع بالنظر إلى الغايتين لأن ظل الغداة يضمحل حتى لا يبقى منه إلا اليسير فكأنه في جهة واحدة ، وهو في العشي على العكس لاستيلائه على جميع الجهات فلحظت الغايتان . هذا من جهة المعنى وأما من جهة اللفظ فجمع الثاني ليطابق سُجَّداً المجاور له شمالا كما أفرد الأول ليطابق ضمير ظِلالُهُ المجاور له يمينا ، ولا يخفى ما في التقديم والتأخير من حسن رعاية الأصل والفرع أيضا . فحصل في الآية مطلقة اللفظ للمعنى جهة المشرق وبالشمال جهة المغرب ، وهو أنه لما كانت الجهة الأولى مطلع النور والجهة الثانية مغربة ومظهر الظلمة أفرد ما يدل على الجهة الأولى كما أفرد النُّورِ * في كل القرآن ، وجمع ما يدل على الجهة الثانية كما جمع الظلمة كذلك وإفراده النور وجمع الظلمة تقدم الكلام فيهما ، وقد يقال : إن جمع الظلال مع إفراد ما قبله وما بعده لأن الظل ظلمة حاصلة من حجب الكثيف الشمس مثلا عن أن يقع ضوؤها على ما يقابله فجمعت الظلال كما جمعت الظلمات ، ولا يعكر على هذا أنه جمعت المشارق في القرآن كالمغارب إذ كثيرا ما يرتكب أمر لنكتة في مقام ولا يرتكب لها في مقام آخر ، وآخر أيضا وهو أنه لما كان اليمين عبارة عن جهة المشرق وهو مبدأ الظل وحده مناسبة لتوحيد المبدأ الحقيقي وهو اللّه تعالى ولا كذلك جهة المغرب ، ولا يناسب رعاية نحو هذا في الشمال كما يرشدك إلى ذلك و « كلتا يديه يمين » ويعين على ملاحظة المبدئية نسبة
--> ( 1 ) يساوي في حساب الجمل : 167 .